عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

86

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

فتراهم في نقطة العشق الذي * هو واحد متفرقين على حده واعلم أن هذا الفناء هو عبارة عن عدم الشعور باستيلاء حكم الذهول عليه : ففناؤه عن نفسه عدم شعوره به ، وفناؤه عن محبوبه باستهلاكه فيه ، فالفناء في اصطلاح القوم هو عبارة عن عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازمها فإذا علمت هذا فاعلم أن الإرادة الإلهية المخصصة للمخلوقات على كل حالة وهيئة صادرة من غير علة ولا بسبب بل محض اختيار إلهي ، لأنها أعني الإرادة حكم من أحكام العظمة ، ووصف من أوصاف الألوهية ، فألوهيته وعظمته لنفسه لا لعلة ، ولا بخلاف ما رأى الإمام محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه فإنه قال : لا يجوز أن يسمى اللّه مختارا لأنه لا يفعل شيئا بالاختيار ، بل يفعله على حسب ما اقتضاه العالم من نفسه ، وما اقتضى العالم من نفسه إلا هذا الوجه الذي هو عليه ، فلا يكون مختارا . هذا كلام الإمام محيي الدين في الفتوحات المكية ، ولقد تكلم على سرّ ظفر به من تجلي الإرادة وفاته منه أكثر مما ظفر به ، وذلك من مقتضيات العظمة الإلهية ، ولقد ظفرنا بما ظفر به ، ثم عثرنا بعد ذلك في تجلي العزّة على أنه مختار في الأشياء متصرّف فيها ، بحكم اختيار المشيئة الصادرة لا عن ضرورة ولا مريد ، بل شأن إلهي ووصف ذاتي كما صرّح اللّه تعالى عن نفسه في كتابه فقال : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ « 1 » فهو القادر المختار العزيز الجبار المتكبر القهار . الباب التاسع عشر : في القدرة القدرة قوّة ذاتية لا تكون إلا للّه ، وشأنها إبراز المعلومات إلى العالم العيني على المقتضى العلمي فهو مجلي تجلى ، أي مظهر أعيان معلوماته الموجودة من العدم ، لأنه يعلمها موجودة من عدم في علمه ؛ فالقدرة هي القوة البارزة للموجودات من العدم ، وهي صفة نفسية بها ظهرت الربوبية وهي أعني القدرة عين القدرة الموجودة فينا ، فنسبتها إلينا تسمى قدرة حادثة ، ونسبتها إلى اللّه تعالى تسمى قدرة قديمة ، والقدرة في نسبتها إلينا عاجزة عن الاختراعات ، وهي بعينها في نسبتها إلى اللّه تعالى تخترع الأشياء وتبرزها من كتم العدم إلى شهود الوجود فافهم ذلك ، فإنه سرّ جليل لا يصلح كشفه إلا للذاتيين من أهل اللّه تعالى والقدرة عندنا إيجاد المعدوم ، خلافا للإمام محيي الدين بن العربي فإنه قال : إن اللّه لم يخلق الأشياء من العدم ،

--> ( 1 ) آية ( 68 ) سورة القصص .